الراغب الأصفهاني
654
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال : نزلنا مكرهين بها فلمّا * ألفناها خرجنا مكرهينا وما حبّ البلاد بنا ولكن * أمرّ العيش فرقة من هوينا الحنين إلى البادية والتبرّم بالحاضرة قال بعض الأعراب المتوجهين إلى خراسان في زمن عثمان رضي اللّه عنه يقول : بلغت إلى حلوان والقلب نازع * إلى أهل نجد أين حلوان من نجد لجثجاث أرض حين يضربه الندى * أحب وأشهى عندنا من جنى الورد « 1 » قيل لزينب أم حسانة الضبية وهي قاعدة على حافة بركة في وسط رياض وأزاهر : أما ترين حسن هذا المكان ؟ فأطرقت ساعة وقالت : أقول لأدنى صاحبي أسرّه * وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه « 2 » أحبّ إلينا من صهاريج ملئت * للعب ولم تملح إليّ ملاعبه « 3 » فيا حبّذا نجد وطيب هوائه * إذا أهضبته بالعشيّ هواضبه « 4 » وريح صبا نجد إذا ما تنسّمته * ضحى وسرت جنح الظلام خبائبه « 5 » فأقسم لا أنساه ما دمت حيّة * وما دام ليل عن نهار يعاقبه ولا زال هذا القلب مسقيّ لوعة * بذكراه حتّى يترك الماء شاربه الحنين إلى منزل لا يرجى لحوقه وقال لرجل من بني طهم : أحنّ إلى نجد وإني لآيس * طوال الليالي من قفول إلى نجد وقال : يقرّ بعيني أن أرى رملة الفضا وقال آخر : فلست وإن أحببت من يسكن الفضا * بأول راج راحة لا ينالها وقال المتنبّي : أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم * وأين من المشتاق عنقاء مغرب « 6 »
--> ( 1 ) الجثجاث : لعلها لجثيث وهو غسيل النخل - الندى : الطلّ . ( 2 ) يحدر الكحل : يسبله ويجعله ينحدر . ( 3 ) الصهاريج : أحواض الماء . ( 4 ) أهضبته الهواضب : نزلت فيه الأمطار أو دفعات المطر . ( 5 ) الصبا : ريح لينة مهبّها من جهة الشرق - الخبائب : جمع خبيبة وهي الشريحة من اللحم . ( 6 ) عنقاء مغرب : العنقاء طائر لم يوجد ، وقوله : عنقاء مغرب كناية عن استحالة الشيء وبطلانه .